Image Not Found

أشرعة البندر .. الحنين للتاريخ ورائحة المكان والذكريات

التكوين

صدر مؤخرا عن مؤسسة بيت الغشام للصحافة والنشر والإعلان كتاب (أشرعة البندر) للأديب والإعلامي حمود بن سالم السيابي، الذي يرصد فيه سيرة مكان الطفولة والصبا وهو مدينة مطرح، التي يكتب عنها السيابي بلغة يمتزج فيها الشعر بالحنين بالتاريخ ورائحة المكان والذكريات. الكتاب يقع في 184 من القطع المتوسط، ويشتمل على ملحق يضم عددا كبيرا من الصور النادرة.

يفتتح حمود السيابي كتابه بمدخل يحمل عنوان (أنا رديت لعيونك أنا رديت .. ولك حنيت مثل ما يحن حمام البيت)، وهو مقتطف من أغنية شهيرة، يلوذ به الكاتب ليرسم من خلاله عودته إلى خطواته الأولى محمولا على جناح الحنين. يقول السيابي موضحا هذه الحالة: “لقد قادتني المقادير للوقوف عند الشطآن متتبعًا المد الأزرق عبر القارات الخمس فيتهادى بحر مطرح فجأة كأجمل زرقة جدَّفْتُ فيها بعيني فهو البحر الذي تتلاقى فيه أملاح الموج وأدمعي.

وما زلت أرى أن احتساء فنجان قهوة على الواقف من إبريق سالم الأخزمي في خور بمبه يساوي كل مخزون البرازيل من القهوة ومعها قهوة أثيوبيا والهند وكولومبيا وفيتنام وجبال اليمن وكل السهوب التي تزرع القهوة وتجففها، رغم أن مطرح لا تزرع القهوة وشجن فناجين الأخزمي موصولا بقهوة بلاد السامبا ورقصات نهر الجانج وصبابات الإيقاع الصنعاني، ومع ذاك فإن قهوته تكتسب مذاقها العماني وهويتها المطرحية بتفاعلها مع ماء بحرنا المقطّر وجمر شجيرات وادي خلفان وعزف أصابع المغنِّمْ”.

ويواصل السيابي بوحه: “وكلما تضيق بي الدنيا أبحث دوما عن كتف مطرح الذي أريح رأسي عليه وعن الوسادة والحضن فأقتات المسافات بنهم لأسابق سيارتي لتحتويني مطرح بأهدابها فأنسى الدنيا، وكأن مطرح ليست من الدنيا، بل هي ست الدنيا كبيروت نزار.

وكلما خنقتني الجغرافيا أهفو إلى ست الدنيا فأتنفس البحر والرطوبة والملح، وأدع الروح تهيم بين شامخ وشامخ فمطرح تضاريس الكون وفصوله الأربعة التي تنسيني التضاريس والفصول”.

ونواصل مع السيابي في سرد تفاصيل اللحظة: “ولعلها الوجهة الوحيدة في الكون التي أقود فيها سيارتي وأنا شبه مغمض دون أن أتسبب في إيذاء أحد فمطرح هي التي تقودني إليها.

وأشعر بوصولي مطرح وأنا مغمض العينين من ارتفاع حرارة السيارة، إذ كلما أشر على ارتفاع عرفت أنني وصلت فتبرد الروح.

وقبل أن أصل وسط مطرح تسبقها بشاراتها فأشم رائحتها من على بعد من العبق المشعشع لمطاعمها القديمة رغم تغير الطبخ والطباخين فمطرح ما تزال تحتفظ بالسر في الأثافي والقدور وزرقة نار الغاز.

وحين تحيطني بجبالها أشعر أنها تكحلت بالأثمد ولذلك هي سمراء، وأنها تنتعل كعب الأزمنة ولذلك هي فارعة تطاول سارية القلعة وشرفة الدور العلوي ليخت آل سعيد.

ولعلها ليست مصادفة أن أصل مطرح وعبد الكريم عبد القادر معي في السيارة وهو ينزف لحبيبته من قناة «الأف أم» براديو السيارة:

«أنا رديت لعيونك أنا رديت

ولك حنيت مثل ما يحن حمام البيت»

فنزفت مثله لحبيبة أخرى هي مطرح وها أنذا أرد لعينيها فأنساق بلا شعور لأغني معه:

«أحبك حب يا روحي ما حبه أبد إنسان»

كان عبد الكريم عبد القادر يغني لجرحه المفتوح، وكان لي جرحي المطرحي ووجعي الذي لا يبرأ، فأسايره جرحا بجرح ووجعا بوجع ونزيفا بنزيف”.

جدير بالذكر أن الكتاب سيكون ضمن الإصدارات التي تقدمها مؤسسة بيت الغشام في معرض مسقط الدولي للكتاب 2020، خلال الفترة من 22 فبراير إلى 2 مارس.